أحيانًا نقرأ صفحةً واحدة فنُسارع إلى تعليم ما فيها للآخرين نضع لهم الخطط، ونشرح لهم الطريق وكأننا قد عبرناه بالفعل لكن بين معرفة الطريق والسير فيه مسافة لا يقطعها الكلام قد تقرأ كتابًا عن الهدوء فتبدأ بالنصح بالهدوء قبل أن تعرف كيف تسكن نفسك وقد تقرأ عن العلاقات فتشرح للآخرين كيف يحبّون، بينما لم تختبر بعد كيف تحبّ دون خوف أو تعلّق وقد تقرأ عن الأفكار فتتكلم عن السيطرة عليها، بينما لم تجلس يومًا مع أفكارك حتى تعرفها وهنا يقع فخّ خفي حين تتحول المعرفة إلى كلامٍ نكرره للآخرين قبل أن تتحول إلى تجربة فينا قد يظن العقل أنه أنجز ما زال يحتاج إلى أن يفعله لأنك عندما تشرح المعلومة تشعر بصورةٍ ما أنك امتلكتها لكن امتلاك المعرفة ليس هو امتلاك أثرها هناك فرق بين أن تعرف أن التنفس يهدّئك وبين أن تتنفس فعلًا وأنت في قلب الخوف فرق بين أن تعرف معنى التسامح وبين أن تُسامح حين يكون قلبك قادرًا على الانتقام وفرق بين أن تتحدث عن السلام وبين أن يبقى السلام حاضرًا فيك عندما تضطرب الحياة حولك ولهذا قد ترى أحيانًا من يتحدث عن الجرح وهو لم يلمس جرحه، ومن ينصح بالعلاقات وهو لا يزال يتعثر فيها ومن يتحدث عن تهذيب الفكر وهو لا يزال أسيرًا لأفكاره. ليس لأن المعرفة كاذبة بل لأن المعرفة التي لم تُعاش بعد، تبقى فكرة الصوفي لا يسأل فقط ماذا عرفت؟ بل يسأل ماذا تغيّر فيَّ بعدما عرفت؟ فالعلم الحقيقي لا يزداد في اللسان فقط بل ينزل إلى السلوك ثم إلى القلب حتى يصبح حالًا لا يحتاج إلى كثير من الكلام ولهذا جاء التنبيه القرآني شديدًا ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ فربما كان أصدق ما يمكن أن تفعله بعد قراءة كتابٍ جديد أن تغلق صفحاته قليلًا وتبدأ بتجربة ما تعلّمت اسمح للنور أولًا أن يغيّرك ثم كن قناةً لهذا النور فما لم تعشه، لا يزال معرفة وما عشته، صار حكمة وما صار فيك حالًا، لم تعد تحتاج إلى شرحه كثيرًا لأن حياتك نفسها ستتكلم عنه وستكون حينها من الشهداء 🤍